Search This Blog

Loading...

Thursday, November 10, 2011

و تعطلت لغة الكلام

أيام الثانوية، كنت أصطحب صديق الطفولة يوم الاربعاء فور انتهاء الحصة الأخيرة إلى مطعم فدركرز في شارع التخصصي بالرياض. كنا نلتهم الشطائر و نتسلّى بالتهكم من بعض الشباب الذين كنا نراهم -- سعوديين و غير سعوديين. كنا نسخر منهم لسبب بسيط: كنا نراهم يلوون ألسنتهم من أجل التحدث باللغة الإنجليزية...

"Hey Yazeed, pass the ketchup, dude!"

"Oh my God, I can't wait to watch The Matrix!"

و غيرها من العبارات التي يتقاذفونها هؤلاء "المتأمركين"... كنا نرى في ذلك الكثير من التصنّع، و كنا نقلدهم بطرق مسرحية مبالغ فيها تُبهجنا. كنت أقول لصديق الطفولة أني أُتقن اللغة الإنجليزية مثل هؤلاء، و لكني لا أرى حاجة للتكلف، للتحدث بتلك اللغة لمجرد إظهار أمر ما، و كان صديق الطفولة يتحداني وقتها و يزعم بأن إتقانه للغة الإنجليزية قد فاق إتقاني.

تخرجنا و ذهب صديق الطفولة إلى أمريكا، فيما أمضيت سنوات عجاف في جامعة الملك سعود. ثم مكث صديق الطفولة في نفس الولاية لدراسة الماجستير، ثم اشتغل لبضع سنوات هناك. كان خلال هذه السنوات يعود للرياض بين الفينة و الأخرى، و لاحظت أنه مع الوقت كان قد بدأ باستخدام الانجليزية أكثر فأكثر، أصبحت اللغة الانجليزية بالنسبة إليه عادة، مثل الذي يشعر بين الحين و الآخر أنه لا بد أن يداعب لحيته أو يفرقع أصابعه. ذكّرته مازحاً بسخريتنا من أولئك الشباب أيام الصبا، فتوقف و ظهرت على وجهه أمارات الاعتراض...

"لحظة، لحظة...أنا لا أتحدث الانجليزية لمجرد أن أتحدث بالانجليزية"

و هذه نقطة مرت علي أثناء دراستي للغويات، حيث يستخدم من ينتمي إلى حضارة "ضعيفة" لغة "قوية" (و لعل الضعف و القوة هنا مستمدة من الهيمنة السياسية) لأحد سببين: إما أن صاحب الحضارة الضعيفة (العربية) يريد أن يربط نفسه بطريقة ما بالثقافة القوية (الأمريكية) عن طريق استخدام لغتها، أو-- و هذا ما كان يصر صديق الطفولة أنه يقوم به-- يستخدم المرء لغة ثانية أتقنها لأجل أنها تسهّل التخاطب و التواصل، سواء من باب التعود أو لأن اللغة الأخرى تضم كلمة يراد التعبير عنها و ليست موجودة في اللغة الأولى.

فمثلا يمكنني أن أقول "الحنين للماضي"، و لكنها لا تعبّر عن كل طبقات المعاني التي تعبّر عنها كلمة "نوستالجا"... كما أن كلمة "تطبيل" العاميّة لا يمكن ترجمتها إلى الانجليزية بشكل يعكس كل ما تحمله من معنى، و الوضع نفسه ينطبق على كلمة "عِرض" بكسر الراء مثلا.

كنت أعرف ذلك كله، و لكن علمي لم يمنعني من الاستهزاء بصديق الطفولة، حتى رفع يده بغضب مازح و هتف:
"تبا لك!"

1 comments:

  1. أن اللغة تعبيرات صوتيه تخرج من الحنجرة لتعبر عن مخزون فكرى ثقافى لدى مخرج اللغة و هو لديه قناعة كبيرة أن هذا هو الأسلوب الأمثل للتعبير عما تحمله رأسه من أفكار و ثقافات و عقائد و هوية كما أنه يحاول بصورة لا أرادية أن يكون هذا الأخراج فيه جاذبية عند متلقيه حتى يأخذ لشخصه مكانه ما فى مجتمعه يصبو إليها

    ReplyDelete